ملا محمد مهدي النراقي
128
جامع السعادات
النفس الناطقة التي هي محل المعرفة ، وإنما يقطع شواغلها وعوائقها ويخليها من جنسها ، فأذن جميع أقطار ملكوت السماوات والأرض ، فالأقطار عالم الربوبية التي هي غير متناهية ، ميدان للعارفين ، يتبوؤن منها حيث يشاؤن ، من غير حاجة إلى حركة أجسامهم ، ومن غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا ، إلا أنهم يتفاوتون في سعة ميادينهم بحسب تفاوتهم في اتساع الأنظار وسعة المعارف : ( ولكل درجات مما عملوا ) ( 30 ) . ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم ، ومن عرف هذه اللذة انمحت همومه وشهواته ، وصار قلبه مستغرقا بنعيمها ، ولا يشغله عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة ، فكيف تشغله عنه لذات الدنيا وعلائقها ، وكان في الدنيا والآخرة مشغولا بربه ، فلو ألقي في النار لم يحس به لاستغراقه ، ولو عرض عليه نعيم الجنة لم يلتفت إليه لكمال نعيمه وبلوغه الغاية التي ليس فوقها غاية ، ولعل سيد الرسل ص ) عبر عن هذه اللذة - أي لذة مطالعة جمال الربوبية - حيث قال حاكيا عن الله سبحانه : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) . وهذه اللذة هي المراد من قوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) ( 31 ) . وربما تعجل بعض هذه اللذات لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية ، ومع ذلك لا يخلو عن توسط بعض الحجب المانعة عن الوصل إلى كنهها ، ما لم يحصل التجرد الكلي وخلع البدن العنصري ، ولذلك قال بعضهم : أني أقول : ( يا رب يا الله ! فأجد ذلك أثقل على قلبي من الجبال ، لأن النداء يكون من وراء حجاب ، وهل رأيت جليسا ينادي جليسه ) . ثم من عرف الله وعرف حقيقة هذه اللذة ، عرف أن اللذات المقرونة في الشهوات المختلفة منطوية تحت هذه اللذة ، كما قيل : كانت لقلبي أهواء مفرقة فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي
--> ( 30 ) الأنعام الآية : 132 . الأحقاف ، الآية : 19 . ( 31 ) السجدة ، الآية : 17 .